الشيخ محمد النهاوندي
48
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
إِنَّكُمْ أيّها المشركون لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ومتناقض في شأن الرسول ، فتارة تقولون : إنّه ساحر ، وتارة تقولون : إنّه كاهن ، وتارة تقولون : إنّه شاعر ، وتارة تقولون : إنّه مجنون ، ومرّة تقولون : إنّه مجادل ونحن عاجزون من الجدل ، وسادسة تقولون : إنّه أمين ، وسابعة تقولون : إنّه كاذب . وفي شأن القرآن تارة تقولون : إنّه سحر ، وتارة تقولون : إنّه شعر ، وتارة تقولون : إنّه كهانة ، وتارة تقولون : إنّه أساطير . وفي شأن المعاد تارة تقولون : إنّه متيقّن والأصنام شفعاؤنا عند اللّه ، وتارة تقولون : إنّه مظنون ، وتارة تقولون : إنّه مشكوك ، وتارة تقولون : إنّه مقطوع العدم . وقيل : إنّ المراد أنّكم غير ثابتين على قول ، ومن يكون كذلك لا يكون متيقنا في اعتقاده « 1 » . ثمّ بالغ سبحانه في ذمّهم بقوله : يُؤْفَكُ عن الرسول ، أو عن القرآن ، أو عن القول بالحشر ، ويصرف عَنْهُ مع كونه حقا يجب الايمان به مَنْ أُفِكَ وصرف عن كلّ خير وسعادة ، إذا لا صرف أفظع وأشنع منه . وقيل : إنّه مدح للمؤمنين ، فإنّهم يصرفون عن القول المختلف [ ويصرفون ] من صرف عن كلّ باطل ، ويرشدون إلى القول المستوي « 2 » ، وفيه ما لا يخفى من الضّعف . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 10 إلى 14 ] قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ( 10 ) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ ( 11 ) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ( 12 ) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ( 13 ) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 14 ) ثمّ أظهر سبحانه الغضب على منكري رسالة الرسول والقرآن بالدعاء عليهم بقوله : قُتِلَ ولعن الْخَرَّاصُونَ والمعتمدون على الحدس والتخمين في دينهم ، والمتّبعون فيه لهوى أنفسهم ، مع أنّ الدين لا بدّ فيه من اليقين والاعتماد على البراهين . ثمّ لمّا كانت توصيفهم بالخرص غير صريح في الذمّ ، وصفهم بما فيه التصريح به بقوله : الَّذِينَ هُمْ كائنون فِي غَمْرَةٍ وشدّة جهل وضلال و ساهُونَ وغافلون عمّا يراد بهم ، بل عن أنفسهم ، أو عمّا أمروا به من قبل ربّهم . ثمّ حكى سبحانه ما يدلّ على شدّة جهالتهم وبغضهم للحقّ بقوله : يَسْئَلُونَ أولئك المشركون عنك استهزاء بقولك : ( انّ الدين لواقع ) ويقولون : يا محمد أَيَّانَ ومتى يقع يَوْمُ الدِّينِ ووقت
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 197 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 198 .